ثمن الخطيئة " هالة المصراتي
كتبهاهالة المصراتي ، في 12 سبتمبر 2007 الساعة: 02:42 ص

الإهداء إلى أديم الأرض
صوت الذئاب البعيدة وهي تعوي أقلقها وبعث في نفسها الخوف ولكنها حسمت أمرها وأزاحت الغطاء عنها ، تسللت بخفة من فراشها وسارت بحذر تتخطى تلك الأجساد المتهالكة المترامية في كل أنحاء الغرفة ، تركز النور الخافت المنبعث من ضوء القمر على وجه رجعة التي كانت تنام قبالة النافذة في الطرف الآخر للغرفة ، ياه كم كان وجهها بائساً ربما لأنها أصبحت عانساً تجاوزت الستة والثلاثين عاماً ولم يتقدم لخطبتها أي شخص .. حتى أبناء عمومتها ، استطاعت ايضاً أن تميز شخير سعاد هي الأخرى لم تتزوج رغم أنها على مشارف الأربعين ولا أمل في زواجها هي الأخرى ، وتعثرت بساق فاطمة الضخمة إلى حد أنها كادت تسقط على وجهها على جسد أختها وفاء ، لو حدث ذلك لفشلت كل مخططاتها لهذه الليلة ، لذا تمالكت نفسها كي لا تسقط .
أخيراً ها هي تصل إلى المنفذ عند عتبته كانت والدتها ترقد الحاجة خضراء تحضن ابنتها الصغرى أخر العنقود مريم ، لكنها حتماً لن تستشعر حركتها ، فهي تتعب كثيراً خلال النهار ، وتنتظر الليل بفارغ الصبر كي تنام …
غادرت الغرفة عبرت الصالة ثم ذلك الرواق ثم صالة أخرى ثم ممر به ثلاث غرف ، غرفة ينام فيها والدها لوحده هكذا أراد مؤخراً أن ينام لوحده ، وغرفة ينام فيها أشقاؤها مصباح ، وخليفة ورجب وغرفة الضيوف التي كان يحتلها مفتاح ليلاً وحمدت الله أنها تخلصت منه بعد التحاقه مؤخراً بإحدى الكليات في طرابلس لذا يقيم في المبيت الجامعي ولا يعود إلا في نهاية الأسبوع لقد كان مصدر قلق لها لم يكن ينام الليل وغالباً ما يكون يقظاً هو الآخر يقرأ الذكر أو يدرس دراسته .
بعد جهد أضنى نفسها القلقة تجاوزت الممر، أخيراً وصلت إلى الباب تسللت بخفة عبر تلك الفتحة الصغيرة فلم يكن قفل الباب مغلقاً فقد حرصت بعدما تأكدت من دخول الجميع أشقائها ووالدها والتفافهم حول مائدة العشاء أن تفتح قفل الباب حتى لا تحدث ضجة بعد سكونهم ونومهم وما كانت لتجازف بفتحه وهم نيام فالهدوء في البر يكون طاغيا إلى حد أنه يمكنك التقاط إي صوت مهما كان بعيداً فماذا لو كان هذا الصوت مصدره قفل الباب .
أخيراً يلسع البرد وجهها ، تنظر للأمام إلى نهاية تلك الأرض المزروعة بأشجار اللوز والزيتون المتناثرة، تتقدم بحذر تعبر الأشجار وتتخطى الحشائش تلتقط أذنها أصوات حشرجة لكنها لا تأبه فالحشرات الليلية كثيرة ، ولكن صوت الأزيز كم تكرهه ، أكثر شيء يخيفها صوت الأزيز وأكثر شيء يقلقها صوت عواء الذئب ، والذئب لازال يعوي هو وأشقاؤه وصوت الأزيز يقتحم أذنيها مهدداً بلسعة أفعى محتجة على هذا القادم المزعج ، لكنها لن تهتم حتى لو عثر عليها الذئب وأكلها وحتى لسعتها الأفعى الآن وماتت، لن يقولوا إنها تجرأت وخرجت ليلاً سيقولون إنها أفاقت باكراً لتزرع وتحصد وربما لترعى الغنم أو لتطعم الدجاج فهي عوّدتهم على ذلك ، بل جميعهم اعتادوا على ذلك النمط الحياتي الشاق منذ الفجر وحتى الغروب يعملون دون انقطاع في تلك الأرض ، حتى أنهم أصبحوا يتسابقون على الاستيقاظ مبكراً للعمل .
تابعت التقدم تتبع هوى قلبها ونفسها ، وها هو ذلك المربع الأسود يتراءى لها تحت الضوء الخافت في الماضي كان حظيرة يرقد فيها الإبل والماعز والغنم واليوم بعد كثرة الذئاب والكلاب الضالة أصبحت بعد التعديلات بيت العامل حسنين .
حسنين يتلفظ قلبها باسمه تشتط نيران شوقها وتتزايد نبضاتها ولهاً به وتلسعها تلك اللذة المؤجلة ، تسارع خطواتها حثيثاً للوصول لحضن الخطيئة حيث تغفو على التبن تنتظر أن تشرق الشمس في الليل هكذا كان يقول لها حسنين (( أنت الشمس إلي تضوي عليّ ليلي )) ..
ما أعذب كلامه وما أحر أنفاسه تكاد تموت شوقاً لتلك اللحظة، التي تصل فيها إليه وتترامى في أحضانه حتى الفجر.
وها هي تتسرب عبر تلك الفجوة من خلال ذلك السور بجسدها النحيل الذي بالكاد بدأ ينضج ويظهر ثماره لتصل حيث يرقد حصَادها ليقطف ثماراً لم تنضج بعد ولم يحن موسم قطفها ، لكته شره ونهم وجائع ، وهي شهية كالبرتقال كالعنب وما يجعلها أشهى ذلك الشبق الذي يتألق في عينيها كنجوم من مجرة أخرى .
ولكن الليل ينتهي ، مخلفاً وراءه الحسرة والشوق ويحل الفجر سريعاً ، حينها تغادر المكان متسللة بذات الخفة لتتظاهر بأنها استيقظت قبل الجميع وتشغل نفسها بعمل ما ، وفي الصباح يعمل حسنين كالثور الجامح في الحقل يتبادل معها النظرات الولهة من بعيد لا يجرؤ على الاقتراب منها أو التحدث معها هكذا أراد والدها أو أشقائها ألا تتحدث مع إي ذكر حتى لو كان العامل حسنين .
زهرة الفتاة الصغيرة ذات الستة عشر ربيعاً كسرت كل تلك الحواجز ، وقررت أنها ستعيش اللحظة حتى لو كانت مع حسنين العامل خشية أن تنظم لقافلة العوانس وتظل سجينة حسرتها للأبد لأنها لم تعش أنوثتها كما يجب ، تنازلت عن ثوب العفة فحتى العفة في نظرها ما كانت لتنفع في ذلك المجتمع المنعزل الذي صنعه والدها لها ولشقيقاتها .. باعت كل شيء مقابل اللاشيء ..
ينقضي يومها ببطء وتنتظر الليل طوله ، ويأتي الليل متدفقاً بوحشته وقلقة وولهه فتعيد الكرة وتتسلل من جديد ، تصل إلى ذلك المكان الذي يحتويه ، لازال عواء الذئب يقلقها ، لكن حسنين ينتظر وهي تحترق ، و رويداً رويداً تسرب نفسها عبر تلك الفجوة ترمي بنفسها عند ذلك الشبح القابع على حافة كومة التبن خيل لها أنه حجمه قد تقلص ، فكرت ربما لا يكون هو ، لكن لا أحد سواه ينتظرها في نفس المكان إلا هو لذا اقتربت مطمئنة نفسها ، رمت بنفسها إلى حضن ذلك المجهول .. تلقت طعنة تلو طعنة تلو طعنة استقرت كل تلك الطعنات لتمزق شرايين ذلك القلب الصغير وتسكت وجعه وشوقه للخطيئة..
في صباح اليوم التالي ارتفع صراخ ونحيب فاطمة التي تعثرت بجثتها وهي في طريقها لتخرج الأغنام من حظيرتها لا أحد يعلم من قتلها ولكن الشكوك كلها تمحورت حول حسنين الذي لم يعثروا له على أي أثر أبداً ، ولكنهم أدركوا جميعاً بحدسهم أنها دفعت ثمن الخطيئة غالياً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نثريات | السمات:نثريات
دوّن الإدراج
























