نـــ ز ف هـــ نـ ـا أردت  أن  أكونـــ(هالة المصراتي)ـــ

نزف

كلما تعثرت بالأشواك أدركت أني أسير في الطريق الصحيح ..

الإثنين,أيلول 17, 2007


إهداء إلى كل منى  كان في حياتها جلال ..

 

 

(1)

 

هو   (( جلال ))  .. سأعزي نفسي فيك كل يوم إلى أن يقتلني حزني عليك ِ  .

 

ترددت قبل أن أتصل ولكني حسمت أمري واتصلت بها ، نعم سأتصل بها لا شيء يمنعني  من الاتصال .

مضى شهر لم أسمع فيه صوتها ، صوتها الشجي العذب البريء المغري  . أعتدت على أن أنام على ذلك الصوت  ، أصبح سماع صوتها جزءاً من فروضي اليومية، هاجس كذلك الهاجس الذي يسكننا أثناء حلول مواقيت الصلاة لإقامة الصلاة دون تأخير .

انتظرت أن تجيب ، أن ترفع السماعة  أن ترد  وما مجيب غير الصمت  .

تعجبت كثيراً لعدم  ردها ، حاولت مرة أخرى ولا أحد يجيب، هذا دليل على عدم وجودها في البيت ، يبدوا أنها مازالت في الخارج  ، ولكن الوقت كان متأخراً  الساعة الآن العاشرة .

ربما سافرت آخر مرة أكدت لي أمرين أنها ستتزوج قريباً وستسافر ، أرجح الأخيرة  نعم لقد سافرت ، ولكن أن تتزوج فهذا أمر مستبعد حدوثه ، فمن ذا الذي سيتزوج من فتاة  في نهاية الثلاثينات ، ليست جميلة  وليست غنية .

لكنها طيبة حنونة خلوقة كريمة ، ولن يأبه أحد لدواخلها تلك إلا أنا .

فأنا الوحيد الذي اقترب منها ، وغاص في أعماقها  وتربع على عرش قلبها ، منذ أول اتصال ما عدت أذكر ساعته لكني أذكر أنه كان قبل ثماني عشرة سنة ،كنت قلقاً وأشعر بالضجر وأحتاج لأتحدث مع أي شخص شريطة ألا يكون ذكر  أحتاج لصوت أنثوي انتشي به في ليلي  الطويل ، عبثت في أرقام الهاتف لأكثر من مرة وبعد عدة محاولات فاشلة تنتهي بإغلاقي لسماعة الهاتف دون أسف ، عثرت على صوتها الذي  أسرني منذ أول حرف لرقته وعذوبته  .

 تظاهرت بأني مخطئ وحاولت أن أعتذر بطريقة تأسرها لبعض الوقت معي  ، فكانت لطيفة معي وأخبرتني بأدب أنه ليس في اتصالي ما يستوجب اعتذاري فالأمر عادي .

وكادت أن تغلق على أنفاسي لكني توسلتها البقاء واعترفت لها أني لست مخطئاً في الرقم وأنها لو أغلقت فلن أتمكن من الاتصال بها مجدداً ، لأنه وببساطة شديدة تلك الفترة لم يكن جهاز هاتفنا يحتوي ما بين أقراصه الدائرية على زر إعادة الرقم .

لم تجبني كأنها تفكر وحتى أقطع حبائل الشك التي ربما راودتها من هذا الاتصال المريب ، قلت لها : حسناً هذا هو رقمي إن شئتِ اتصلي بي .

و تفاجأت حين سمعتها تقول : ألست من طرابلس ..؟

أجبت بصوت مرتبك : لا أنا من مدينة زليطن

حسناً أيها الزليطني لما لم تتصل بأي رقم  في مدينتك ربما هذا يوفر عليك ثمن المكالمات الباهظة

لا تكترثي فلست بمفلس ثم أن عثوري عليكِ أشبه بالعثور على كنز بعد رحلة بحث مضنية.

كان ذلك أول اتصال طويل مني وبعدها أصبحت هي المتصلة دوماً وتتحمل وحدها عبء تكاليف تلك المكالمات كانت تعمل طوال الشهر لتوفر أقساط الهاتف لتتحدث معي ، أما أنا فكنت نادراً ما أتصل بها وإن اتصلت فأني لا أطيل الحديث معها أتحجج بوجود أصدقائي أو أقاربنا واطلب منها  أن تعاود الاتصال بي لاحقاً .

وبعد مضي عامين من الحب والعشق والأحلام الوردية التي كنت أرسمها لها ، قررت أن أذهب لرؤيتها ، مؤكداً لها أن بعد لقاءنا سآتي لخطبتها وكنت باستمرار أؤكد لها أنها ستعجنني حتى لو كانت  بشرتها سوداء وعينها عوراء وملامحها بقبح الحرباء ، وحدث اللقاء فعلاً لم تكن سوداء كانت بيضاء عيناها واسعتان جداً وبارزتان وأنفها طويل ووجها طويل حاد الملامح ، لم تكن جميلة كانت عادية  بل لنقل أنها أقل من عادية ولكن كان لها قوام رائع .

ما يهم إني أكدت لها أنها أعجبتني  وأني قريباً سأتقدم لخطبتها ، بعد  مضي شهر من اللقاء ماتت والدتي واستلزم الحزن على والدتي أكثر من ثلاث سنوات ، لم ينقطع الاتصال بيننا يوماً كانت خلال كل  تلك الفترة تعزيني وتواسيني ولم تتكلم مطلقاً على موضوع الزواج أبداً .

وفي إحدى الأمسيات جاء اتصالها في وقته تتفقدني وتخبرني أن هناك عريسا قادما لخبطتها.

انفجرت غيضاً ، وقلت لها ألا تشعرين ألا تعلمين أني مازلت حزيناً على والدتي؟! تباً لك أذهبي وتزوجي  وانقطع الاتصال بيننا بعد ساعة عاودت الاتصال بها كنت أشعر بالندم والأسف ، اعتذرت منها وطلبت منها أن ترفض هذا العريس ووعدتها أنه بعد أقل من أسبوعين سأستشير والدي وأتقدم لخطبتها .

بعد أسبوعين من الحب ورجوع المياه لمجاريها سألتني : متى ستأتي لخطبتي ؟

- أوه لقد نسيت ألم أخبرك ...؟

- بماذا ..؟

- والدي سيتزوج الأسبوع القادم

- جيد لنتزوج معه .

- هل أنت مجنونة لن أستطيع تعلمين جيداً أني كنت سأتزوجك في بيت العائلة والآن مع وجود امرأة غريبة فيه لن أحضرك له .

- إذاً ؟

- انتظري ريثما أشتري بيتاً

- ومتى ستشتري بيتاً؟

- عندما أجمع ثمنه

- ومتى ستجمع ثمنه

- لا أعلم الله وحده يعلم لو ..

- لو ماذا..؟

 - ساعدتني

- كيف أساعدك تعلم أني لا أملك غير راتبي ولا ادخر منه شيئاً والأسباب تعرفها

- لكن بإمكانك أن تأخذي قرضاً أو سلفة كل الفتيات تفعلن ذلك ليساعدن أحباءهن

- لكنك أخبرتني أنك لست بمفلس ذات مرة وأن بإمكانك شراء بيت منفرد

- صحيح ولكن الأحوال تغيرت منذ أن ماتت والدتي 

- وما الذي تغير ؟

- أوووه نسيت ولم أخبرك ..؟

- بماذا ؟

- زوجة عمي .؟

- ماذا بها ..؟

- تريد أن تزوجني لابنتها وتريد أن تزوج والدي لأختها المجنونة ولأننا رفضنا فهي تسحرنا ليل نهار وقد ضرنا هذا السحر كثيراً ، خاصة في أمور الرزق ، لقد  أخبرنا الشيخ أنه لابد لنا أن نحضر ريشة حمامة عذراء طائرة في السماء نصف رأسها لونه أبيض ونصفه الأخر أسود ، وللأسف لم نستطع أن نصطاد حمامة بتلك المواصفات ، لقد اكتشفت مؤخراً أنه لا توجد حمامة عذراء يالشقاوة  ذكور الحمام

- امممممم هذا يعني أن مصيرنا علق  على جناحي  حمامة طائرة في الفضاء

- لا لا لا تكوني متشائمة  الله معنا  .

بعدها ظلت كل اتصالاتنا عادية ، لم تلح في موضوع الزواج  ، إلى أن خبرتني ذات يوم أنه علي الحضور لطرابلس ، لأنها اليوم استلمت السلفية التي ستساعدني  لشراء بيت الزوجية لأتزوجها ، وبعد مدة ليست بطويلة اشتريت بيتاً مجاوراً لبيتنا من ثمن سلفتها  لأتزوج  فيه ابنة عمي بمحض إرادتي،ولأن ابنة عمي فتاة عادية جداً ، ليس لديها اهتمامات من أي نوع  معظم وقتها في بيت أهلها مطيعة بشكل مفرط إلى حد أنها لم تحاول أن تفهم سبب طلبي منها عدم رفع سماعة الهاتف أو الإجابة عنه لأي سبب كان ، ولا حتى الاتصال منه ، ولأبعد أية شكوك أفهمتها أن هذا الرقم  حكومي ومراقب وخاص بالعمل  .

 لا أعلم إن كانت اقتنعت بتلك الأكاذيب أو أن الأمر برمته لا يعنيها ولكن صمتها وتقبلها للأمر أراحني جداً ، مع مرور الوقت بدأت أحن لذلك الصوت وأشتاق له ،وأشتاق لتلك الفتاة ، اتصلت بها فرحت لسماع صوتي كثيراً سألتني أليس من المفترض أن تبقى لمدة ثلاثة أشهر في الصحراء حيث عملك ، طبعاً هذا ما قلته لها لأسوغ غيابي أثناء فترة زواجي ولأنها طيبة جداً وساذجة جداً كانت تصدق كل ما أقوله لها ببراءة لا نظير لها .

وجاء سؤالها المتوقع منذ بداية الاتصال: متى ستأتي لخطبتي ..؟

- قريبا ولكن لدي بعض المشاكل

- ما هي مشاكلك ؟

_ والدي

_ ماذا به  ؟

_ يريدني أن أتزوج ابنة أخت  زوجته

_ حقاً ...؟  أرجوك لا توافق

_ هل جننتي مستحيل أن أتزوج غيرك  .

_ وماذا ستفعل حيال هذا الأمر ..؟

_ لا أعلم لكني سأجد حلاً قريباً

ويمضي الوقت سريعاً أنجبت ثلاثة أطفال ومات والدي الذي لم يكن في أي يوم عائق أمام زواجي منها ، ومازالت هي تنتظر إلى أن سئمت الانتظار، أصبحت تتصل بشكر متكرر  وتخبرني أن فلاناً جاء  وتقدم لها ، و كل ما أفعله أمام تلك الحيل الصغيرة أني أخبرها أنها بإمكانها الزواج  .

تتصل بعد فترة لتخبرني أنها رفضت بسبببي وصدقاً كنت أسعد جداً رغم إني كنت متأكد أن الموضوع كله مجرد كذبة صغيرة لتدفع بي للزواج  بها ، أو أعجل أمر حدوثه .

ومرت السنوات بيننا ونحن على هذا الحال ،علاقة صوتية تتخللها بعض اللقاءات السريعة  كلما ذهبت  لطرابلس لقضاء مصلحة ما ،  مع مضي  الوقت وبتحري غير مقصود منها تفاجأت أني متزوج وأن لي أولاداً من ابنة عمي وأن كل تلك الأكاذيب كانت خدعاً  لأجعلها تستمر معي ولتبقى بوضعها ذاك لأني أحبها  ، انقطعت عني لفترة لكن اتصالاتي المتكررة وتوسلاتي ليل نهار جعلت قلبها الطيب يغفر لي شريطة أن أصلح كل هذا الأمور بالتقدم لخطبتها، وطبعاً استطعت أن أبرر فعلتي الشنعاء بأني كنت مرغماً  فوالدي أجبرني على الزواج من  ابنة  عمي

بعد أيام عادت الأحوال كما كانت بدأت اختلق الأكاذيب من جديد وهي تصدقني بنفس براءتها المعهودة وغبائها الطفولي ، لم تعد تطلب مني التقدم لخطبتها ، ولم تعد تتحدث عن الزواج والأولاد، إلى أن جاء ذلك اليوم اتصلت بها شعرت بصوتها منتكساً سألتها ما سبب هذه الانتكاسة  ، أخبرتني أنها ستتزوج وتسافر

قلت وأنا أضحك  : ألم تسأمي ألم تملي من ألاعيب الأطفال تلك .

قالت وهي تبكي: صدقني هذه المرة أن الموضوع ليس مجرد كذبة أختلقها لتعجل في زواجك مني فعلاً سأتزوج

قلت ببرود حسنا: مبروك عليك العريس

قالت بصوت باكي  : كم تمنيت عقب  كل تلك السنوات أن تكون أنت زوجي  ، سأتزوج بعد أسبوع وأسافر

قلت بمنتهى البرود :  أشعر بالملل سأتصل بك لا حقاً

لم أنتظر لأسمع منها أية كلمة إضافية   فقط أنهيت  المكالمة لأكتم نحيبها الممل.

 

 

 

(2)

 

هي  (( منى ))  كم يلزمنا من الوقت لنستوعب صدمة كل نهاية غير متوقعة ..

 

كان من الصعب جداً أن أتقبل هذا القادم  الجديد ، تمعنت في  ملامحه علي أجد سبباً يجعلني أنفره أو أرفض الارتباط به ، مع هذا كنت قد حسمت أمري قبل أن أراه أني سأقبل به حتى لو كان غولاً .

ما يهم أنه لم  يكن غولاً بل كان رجلاً مكتملاً تناثرت بعض الشعيرات البيضاء  في شعره الأسود الكثيف  ، عيناه لوزيتان وأسنانه بيضاء ناصعة ، ولم يكن بكرش متدل كما توقعت بل كان جسمه رياضياً متناسقاً، أنيقاً جداً وتنبعث منه رائحة عطر جميل  للوهلة الأولى عندما وقعت عيناي عليه وأنا أمد يدي لمصافحته تمنيت لو أني أعود لغرفتي  لأعيد ترتيب مظهري أكثر ، فقد كان أكثر تألقاٌ مني إلى حد أربكني ، عندما قالت لي صديقتي سعاد أنه أرمل وعمره 56  عاماً توقعت أن يكون عجوزاً بكرش متدل وجسد مترهل ووجه مجعد وشعره متساقط حاله حال أقرأنه سناً ، بيد أني تفاجأت بمظهره الحسن وهذا أمر جيد ، جعلني لا أتردد في الموافقة مع خشيتي أن يرفضني هو ولكني حمدت الله عندما علمت أني أعجبته وأنه يريد أن يكون العرس قريباً .

في نفس اليوم اتصل بي جلال كعادته كان متذمراً ساخطاً من حياته من واقعه من زوجته من أبنائه من كل شيء حوله استمعت له في صمت  إلى أن فرغ كل شحنات سخطه في مكبه اليومي  ليثقلني به وبهمومه وبتذمره المستمر من كل شيء كدت أبكي وأنا أسمعه للمرة الأخيرة أشفقت عليه رغم كل ما فعله بي ، فمن سيسمع جلال بعد اليوم و من سيسأل عنه غيري من سيقرضه المال عندما ينتهي راتبه قبل نهاية الشهر ليشتري لوازم البيت من سيصدق كذبه غيري .

ثمانية عشر عاماً وأنا أستمع له لكذبه لتخاريفه، ثمانية عشر عاماً وأنا أحبه رغم أن جلال كان محباً أنانياً ، سلطوي لا يأبه أو يكترث  إلا لمصلحته ، كنت أدرك أن جلالاً شخص كاذب ومخادع  ويبدد وقته من خلالي ويريدني أن أبقى في حياته كصديقة وحبيبة وعشيقة لكنه يرفضني كزوجة لا لشيء إلا لأن عقلية جلال لازالت ترفض أن ترتبط بطرق عصرية تحررية لا ترقى لمستوى عنجهيته الشرقية لذا عندما أراد أن يتزوج  .. تزوج ابنة عمه دون ضغط أو إكراه من أحد.

كنت أدرك حقيقته ولكن كنت دائماً أطمئن نفسي أنه قد يأتي ذلك اليوم الذي يصبح فيه جلال قادراً على استيعاب أن كل ما كنت أقوم به لأجله كان بدافع الحب  ، وربما يأتي ذلك اليوم الذي يجازي فيه  هذا الحب بذلك القرب الذي تتمناه كل فتاة ، فرص عدة منحتها لرجل واحد وللأسف لم يكن يستحق ..

وبالأمس فقط ،شعرت بأن جزءاً من اعتباري رد لي بعدما عرفت من أختي التي أخبرته بأمر زواجي أن جلال بكى فقداني وعلى حد قوله : كما بكى على فقدانه لأمه ، أنا أيضاً  بكيت وأشفقت ليس عليه بل على نفسي لهول ما عانت منه ، كم كنت أكابد لأبقى معه في حين كان هو لا مبالي ، واليوم أصبح يبكيني ... هكذا نحن البشر لا نشعر بقيمة من نحب إلا بعد أن نفقدهم ونخسرهم للأبد حينها ، نستحضر تلك الكلمة الصغيرة (( ليتني )) بعدما يصبح  التمني في حكم العدم لا فائدة منه بغياب أمنياتنا الحقيقية .. 

للأسف لا آسف عليك  يا جلال ...

 

 

 



في19,كانون الثاني,2008  -  08:07 صباحاً, altrshane كتبها ...

اتمنى ان تكون منى قد تعرفت على جلال حقيقي وتزوجت به غير جلال الذي احبتة وان كانت طيلة فترة الحب تلك صنعت ذكريات جميلة ف لانها هي من صنعهتا وليس جلال اهتمامتك رائعة اتمنى ان اقراء المزيد