البداية قطرة .. مجرد قطرة
كانت قطرة مجرد قطرة ، أُطل من خلالها كل يوم على القراء ، عبر نافذتي الصغيرة والتي أسميتها قطرة كانت عبارة عن عمود لا يتجاوز الأربعة أسطر فيها خربشات آخر الليل التي أكتُبها على عجل وأنا أشرب كوب الحليب قبل النوم، مع هذا كان لدي بعض من المعجبين وتصلني العديد من رسائل الإعجاب خاصة من المراهقات ، بل وزملائي يؤكدون بأني شاعر ُمرهف المشاعر ، لم أكن آبه لأقوالهم ، فكما يقولون رحم الله امرئٍ عرف قدر نفسه، وكنت أعي أن ما أكتبه لن يخرج عن إطار ومسمى خربشات قبل النوم أتقاضى عليها بضع جنيهات آخر الشهر .
ثم دعوة ..
ما يهم إن الموضوع لم يكن ليؤرقني لولا ذلك اليوم الذي تلقيت فيه دعوة رسمية بالحضور والمشاركة وتمثيل مجلتي كأحد شعرائها في إحدى الأمسيات الشعرية ، اعتذرت منهم ومن المجلة أخبرتهم إني لست بشاعر فلِمَ الحضور؟ وليس لي ما أشارك به فلِمَ الظهور؟، حاولت جاهداً أن أصرف نظرهم عن الفكرة وأن يتناسوا موضوع حضوري ولكن هيهات أن يقتنعوا، أخبروني أنه لا يهم المهم أن أتواجد هناك وأن ألقي على مسامع الحاضرين قصيدة ، لا يهم إن كانت قصيدة وطنية أو عاطفية أو حتى قصيدة تتحدث عن عشقي للكباب ، المهم أن أشارك وألقي بقصيدة من أي نوع أو صنف .
ذات أمسية أعتقد أنها شعرية ..
موعد الأمسية، الكل جاهز ويحمل بين يديه مجموعة أوراق، متأهبين متحمسين، قلقين، كان الحشد هائلاً مائة شاعر وعشرة نُقاد بالإضافة إلى الصحفيين والإعلاميين وبعضٍ من الأشخاص المهتمين بمثل هذه الأمسيات، وبدأت الأمسية وبدأ الشعراء في إلقاء قصائدهم ، وكدت أبكي وأنا أسمع الشعر يضيع وزنه تحت وطأة التحريف وتنحر قافيته بحجة التحديث وتموت اللغة قبل أن تخرج من بين شفاههم ويغيب المعنى بحجة فلسفة القصائد وطلسمتها ، ويغيب المعني في بطن الشاعر ، وبهذا تموت القصيدة قبل أن تولد من رحم أقلامهم العاهرة.
لا يهم فالمهم أنهم يصدقون أنهم شعراء ، والأهم أن الحاضرين يوثقون على حقيقة كونهم كذلك، فالتصفيق الذي يرتفع ليصل صداه لسقف القاعة ويهزها بشدة يؤكد أنهم شعراء .
لحظةُ التأهب..
مرت دقائق وكلما سمعت أحدهم يلقي بقصيدته فهمت سبب إصرارهم على كوني شاعراً مرهف المشاعر واحترمت تشبثهم بي لأكون ضمن نخبة الشعراء ولكني شعرت بالقلق فمحاولتي الصغيرة لم تكن مجرد خربشات آخر الليل لنقل أنها كانت أفضل بكثير، لهذا أعتقد بأنها لن تروق الحاضرين ولن ترضي ذوق المستمعين ولن ترقى لمستوى أعمال الشعراء المشاركين في الأمسية، لهذا قررت قبل أن يحين دوري أن أكتب على ظهر الورقة خربشات تشبه خربشات آخر الليل وحبذا لو كانت أسوأ ، ولعنت هذا اليوم ألف مرة وقلت لنفسي لا يهم سيمر كيف ما كان ، ما يهمني أن ألقي بالقصيدة على مسامع الحاضرين وينقضي اليوم ، وأنساه مع انسياب آخر قطرة لكوب الحليب قبل النوم ولينقضي يومي كأنه لم يكن ، و حان دوري وأنا اليوم شاعر طبعاً أنا شاعر أحمل بين يدي ورقة على ظهرها توجد كلمات تشبه القصيدة ، تتحدث عن الحب والعاطفة والجسد والبطيخ وهذا حسب ما لاحظت ما يريده الحضور وما يصفقون له بشدة .
قنبلة الأمسية حبيبتي والبطيخة ..
على منصة وقفت بصمود وألقيت قصيدتي تحمل عنوان حبيبتي والبطيخة وهذا مطلعها:
حبيبتي لا تحزني
إن ناديتكِ بطيختي
فطعم البطيخ
أكثر ما يثير شهيتي
في فصل الصيف
وعندما يغادرنا الصيف
ويختفي البطيخ من الأسواق
ويحين موعد الشتاء
كوني أنت يا حبيبتي بطيختي
فأنت أيضاً تثرين شهيتي
حبيبتي لا تحزني أن ناديتكِ بطيختي
بعد شهرِ من الأمسية ..
بعد ذلك النجاح الكبير والصدى البليغ الذي تركته في نفوس كل من سمع قصيدة حبيبتي والبطيخة أصر الجميع، كل من يعرفني ولا يعرفني على إني موهبة فذة وشاعر لا يُعلى عليه، ويجب أن يكون لي ديوان ، وليس مجرد قصيدة، أصدرت خلال هذا الشهر ثلاثة دواوين شعرية والرابع في الطريق بمعدل ديوان في كل أسبوع وأمسية شعرية كل يوم وعلى هامش الأمسيات تعارف وقضاء مصالح .
بعد شهرين ..
نفذت الطبعة الأولى من الأسواق لكل من ديواني الأول حبيبتي والبطيخة ، وديوان حبيبتي السنفورة، وديوان حبيبتي لا تشبه الخنفساء، وديوان حبيبتي لا تعرف مذاق القبل ودور النشر التي سبق وتهافتت لتوقيع عقود نشر معي، هي حالياً في صدد نشر الطبعة الثانية لكل هذه الدواوين.
خلال فترة الشهرين أيضاً مللت النجاحات ومللت اللقاءات الصحفية والأمسيات الشعرية والبرامج الإذاعية والظهور في القنوات العربية كأنه لا يوجد شاعر سواي، ومللت الكتابة آخر الليل قبل شرب كوب الحليب وبعده وأثناء تناولي وجبة إفطار الصباح والغداء والعشاء وأثناء جلوسي مع الأصدقاء وقيادتي السيارة أصبحت أكتب في كل مكان وزمان وأي موضوع يصلح أن يكون قصيدة المهم أن لا أنسى حشر الحبيبة وحبذا لو طعمت القصيدة بطعم القبلات واللمسات والآهات ، حتى لو كانت قصيدة وطنية.
بعد عامين ..
مازالت الأضواء مُسلطة عليِّ، وأصبحتُ شاعراً عصرياً وفخراً وطنياً، أصبحت كذلك من الأثرياء ، التقيت بمعظم الأمراء والملوك والرؤساء، وقد تغنى بقصائدي معظم الفنانين العرب بعد أن نافستهم في مبيعات أقراصي وأشرطتي الشعرية في الأسواق ، وبفضل الدعم الإعلامي الذي حظيت به من الشركات الإعلامية الكبرى خاصة شركة ( خرفانا ) التي أطلقت قناة جديدة لأجلي " خرفانا شاعر " والتي من خلالها تسللت بسهولة لقلوب المعجبين وأصبح سماعي كل يوم واجب يومي أبجل من سماع النشيد الوطني ، ولن أنسى أن أشيد بتجربتي التي أفادت العديد من الشعراء الهواة في برنامج "سوبر شاعر" الذي نظمه (تلفزيون) الماضي ، برعاية مشروب ( جيبسي عبد المولي )، حيث أني استدعيت لأكون أحد حكام البرنامج وقد لاقى البرنامج ناجحاً كبيراً وقبولا عند الجماهير العربية إلى حدٍ دفع بقناة الماضي أن تبرم معي عقد أبدي مدى الحياة لأكون أحد الحكام الدائمين .
وما أن عُدت للوطن مؤخراً، مفتخراً.. منتصراً بمكاسبي الجديدة ، حتى فوجئت بتلقي دعوة أخرى من القنوات الفضائية الأخرى ، حتى أني لم أستطع التقاط أنفاسي أو أهنأ براحة قصيرة لأني سأسافر مجدداً لأكون أحد أستاذة طلبة برنامج ( قوافي أكاديمي ) الذي ينظمه تلفزيون LSS برعاية وكالة ( عبد الحفيظ المزوغي ) للمجوهرات، وعلى إثر انتهاء البرنامج سأكون في الخليج الأفطنسي لحضور أمسية شعرية مقامة على شرفي ، أعدها سمو الأمير ( ماجد بن آل عصيان ) كتكريم وتشريف لي لمبادارتي الجليلة من أجل الإسهام بالرقي بالشعر العربي الحديث.
نهاية القطرة ..
خلال أربعين سنة ، وهبت نفسي للشعر وللكتابة ، لم تمر لحظة واحدة دون أن أخط فيها ألف حرف مللت، مللت، أحتاج للنوم ، أحتاج للراحة للتفرد بالنفس بعيداً عن الجمهور و الأضواء والصخب، بعيداً عن البشر، لهذا عزلت نفسي عنهم وسافرت لإحدى الجزر البعيدة. لأنام كما يجب نومي الأخير.و في إحدى الليالي الباردة بعد شربي لكوب الحليب لآخر قطرة كما كنت أفعل في الماضي البعيد ، غلبني النعاس ونمت نوماً عميقاً ، شاهدت فيه حلمي الوحيد بعد مرور أربعين سنة فمنذ أن اعتزلت تلك القطرة ما عادت الأحلام تراودني، ربما لأنه لم يعد لدي الوقت لأنام نوماً هنيئاً يجعلني أحظى برؤية حلم، وربما لأن كل أحلامي تحققت على الواقع، شهرة ومال ومجد ، وفي حلمي رأيت نفسي في قفص تحاصرني قضبانه داخل قاعة محكمة ومنصة القضاة جلس عليها أكثر من مائة قاض ولسبب لست أعلمه تذكرت تلك الأمسية، لم يتفوهوا بحرف كأنهم كانوا ينتظرونني أن أبدأ على غرار ما اعتدناه في المحاكم فسألتهم عن تهمتي ؟
فأجاب أحدهم:
- قتلتنا جميعاً.
سألتهم:
- ومن أنتم ؟.
فأجابوني واحد تلو الآخر:
- نحن ، الفرزدق والمتنبئ والأخطل والشريف وعنترة وقيس بن ذريح و القيرواني والشابي وابن زيدون ودوقلة المنبجي وابن زريق البغدادي ، وإبراهيم ناجي وأحمد شوقي والمنخل اليشكري وأبو فراس الحمداني و ويزيد بن معاوية وقيس بن الملوح وعمر بن أبي ربيعة وابن الرومي وكُثيِّر عزة ، و ... فمن أنت ..؟
أجبت ُ أنا لا شيء يُذكر ونمت نومي الأخير الذي لم أرَ النور بعده
كتبها هالة المصراتي في 08:42 مساءً ::
مع خالص تحياتي
وكل عام وأنتم بخير ......
http://syria-3.maktoobblog.com/
ابادلك ذات التحية
شكراً للزيارة

الاسم: هالة المصراتي
