هل تستعيد ليبيا مبالغ التعويضات المدفوعة ومن يعوض الشعب الليبي ؟
ليس غريب أن يتم وصف قضية لوكربي بقضية العصر ، فقضية لوكربي منذ نهاية الثمانيات إلى أن سلمت ليبيا مواطنيها وأعلنت في 29 / 4/ 2003 مسؤوليتها المدنية وليس الجنائية عن الحادث لازالت أثار وتداعيات القضية مستمرة إلى يومنا هذا خاصة بعد الشهادة التي أدلى بها الشاهد الأساسي في هذه القضية اولريش لومبرت التي أثارت لنا ملف لوكربي من جديد و جعل العديد من المحللين والسياسين والقياديين وحتي اسر الضحايا يعيدون النظر والتحليل والدراسة لهذه القضية .
فقضية لوكربي تعد منذ أن أثيرت من قبل الولايات المتحدة الإمريكية وبريطانيا أزمة مفتعلة تتخللها العديد من الإشكاليات القانونية المهمة والملابسات وتبرز لنا بشكل واضح مدى تأثير القوة وهيمنة الدول الكبرى على مجلس الأمن الدولي وتسخيره كأداة لخدمة مصالح الدول الكبرى وسياستها بشكل قد يكون شرعي بيد إنه يفتقر لقواعد المشروعية الدولية , فالقضية رغم إنها نزاع قانوني في الأصل إلا أن الدول الثلاث ,, الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة البريطانية وفرنسا قد جعلوا من القضية تأخذ منحنى آخر سياسي بعيدا عن المسار القانوني الأصلي للقضية , وذلك لاعتبارات ومصالح سياسية لهذه الدول .
والقيادات الليبية كانت مدركة لخطورة الموقف منذ بدء إفتعال هذه الأزمة مما جعلها تتريث في اتخاذ قراراتها إزاء هذه الأزمة وتتعامل معها بحكمة وعقلانية فقد تعاملت مع الأزمة منذ البدء بدبلوماسية وحنكة فاجأت بها توقعات الأطراف المتنازعة ا فقد كانوا متأكدين من أن موقف ليبيا سيكون متأزم إزاء التعامل مع هذه الأزمة وهذا ما كانوا يطمحون له من أجل تصعيد الموقف .
وقد حاولت ليبيا منذ البدء الإتكاء على الأسانيد القانونية التي جميعها كانت تصب لصالح ليبيا فعندما اعترضت ليبيا على تسليم اثنين من مواطنيها كان ذلك نابعا من أن كل القوانين والأعراف الدولية تمنع أن يكون التسليم بهذه الطريقة وإن ليبيا تمسكت بما تنص عليه اتفاقية مونتريال في مثل هذه الحالات لذلك فإن أول قرار صدر من مجلس الأمن ، والذي يحمل رقم ( 731 ) يعتبر انتهاكا لأبسط متطلبات السيادة الوطنية وإن تحمل الشعب الليبي لأثار الحظر لأكثر من عشر سنوات كان نتيجة طبيعية لإيمانه بعدالة قضيتهم ومطالبهم ، مما جعل العديد من الدول تناصر ليبيا في موقفها وتناهض الموقف الغربي بل وذهبت بعض الدول إلى حد المطالبة برفع العقوبات وتضامنها مع الشعب الليبي ، كما أن عددا من القادة والرؤساء الأفارقة قاموا بكسر قرار الحظر بعد قرار قمة واغادوغو ومما عزز الموقف الليبي اليوم هو اعتراف الشاهد اولريش لومبرت بكذبه وتزييفيه للحقيقة .
وحقيقة أن شهادة لومبرت أثارت العديد من التساؤلات منها :
هل شهادته تعيد فتح ملف القضية وتعاد من جديد التحقيقات ؟ وهل ستستعيد ليبيا التعويضات التي دفعتها لأسر الضحايا ؟ وهل يطالب اسر الضحايا بفتح ملف القضية وإعادة التحقيقات من جديد وملاحقة الجناة الفعليين ؟ ومن سيعوض الشعب الليبي عن معاناتهم طيلة فترة الحصار ؟ ومن سيعوض المقرحي عن السنوات التي قضاها في السجن وهل تتم تبرئته أو يسلم لليبيا ؟ ولماذا في هذا التوقيت بذات أعترف لومبرت بذنبه ؟ وهل يمكن أن يكون هذا الاعتراف تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة كتمهيد وتهيئة للرأي العام الدولي من أجل تسليم المقرحي مقابل تسليم ليبيا للبلغاريات ؟
ومن واقع تصريحات أحد المسئولين نجد أن ليبيا تحاول احتواء هذه القضية في ظل ما جد من مستجدات بذات الدبلوماسية والحنكة التي عالجت بها الأزمة منذ البدء ، ويمكن أن نستشف ذلك من تلك التصريحات الواردة أن ليبيا لن تعيد فتح الملفات القديمة وأن كل ما يمكن فعله الضغط بدبلوماسية من أجل إعادة تسليم المقرحي ليقضي عقوبته في ليبيا رغم أنه هناك محاولات ومبادرات من قبل ليبيا ومساعي حميدة من بعض الدول والمنظمات الدولية قبل اعترافات لومبرت .
ولسنا نجزم أن ملف لوكربي سينتهي بشكل نهائي في ظل المتغيرات السياسية التي نشهدها على الساحة الدولية ولسنا نجرم أيضاً ما إذ كانت الأطراف المتنازعة مع ليبيا منذ البدء تسكت عن القضية ولا تعيد فتحها بعد تحييد ليبيا وتتهم طرف آخر نظراً لحسابات سياسية من دول أخرى خاصة أن لوكربي تحوم الاتهامات حول أكثر من دولة منذ التحقيقات الأولي منها سوريا وإيران وفلسطين حيث كانت هناك شكوك تتمحور حول المنظمة الديمقراطية لجبهة أحمد جبريل الفلسطينية .
حقيقة أن ملف لوكربي ملف معقد سياسيا وقانونياً نظراً لتعدد الأطراف وتشابك المصالح وعدم الفصل فيه بالشكل النهائي أو الطبيعي ولقد كانت قضية لوكربي بكل تعقيداتها وملابساتها القانونية والسياسية تشكل لي هاجس مستمر للبحث فيها ودراستها نظراً لتشعبها وإثارتها لأكثر من موضوع ذات صلة بالقانون الدولي ، حتي أني جلعت محور كبير من رسالتي يتناول قضية لوكربي رغم نصح بعض الأساتذة بعد تناول هذا الموضوع لإنتهائه ولكن كانت لي وجهة نظر مختلفة وكنت اعتبر أن قضية لوكربي صالحة للدراسة وللبحث في كل وقت وأنه من المعطيات الموجودة أمامنا تؤكد بروز وكشف العديد من الوقائع والحقائق والأدلة مع الوقت ، تجعلنا نعيد النظر والقراءات في لوكربي
.قضية لوكربي ليست قضية العصر فحسب بل هي قضية معاناة لشعب كامل ولازال السؤال القائم الذي يدور في عقل كل مواطن ليبي شريف من يعوض معاناة الشعب الليبي عن فترة الحصار ؟
لقد كانت لوكربي , نتاج لمواقف ليبيا السياسية , المعارضة لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ولكن في ظل هذا التغير الواضح في السياسيات والمواقف الليبية يمكن أن يعاد النظر في لوكربي والبحث عن ضحية جديدة تحمل عبْ القضية .
كتبها هالة المصراتي في 05:17 صباحاً ::

الاسم: هالة المصراتي
