إهداء إلى ذلك الحب الذي لازال ينبض فينا
عندما يموت الحب مبكراً فهذا يعني أنه لم يولد مطلقاً
راقبت حركة السحب وهي تتجمع وتتكاثف وتحجب الشمس خلفها منذرة بهطول مطر غزير وبدون مقدمات تحضر مشاعرها الغائبة فجأة ، تتكاثف هي الأخرى في داخلها لتعلن تمردها على ضبابية الطقس وفتوره.
والتفتت إلى الصمت القابع بجوارها وأرسلت له نظرة حب وشيء ما في داخلها يريد أن يبوح له بمدى حبها واشتياقها له ، فحاولت أن تختزل مسافة الطريق بجملة " أعتقد إنها ستمطر.. فجأة غيمت السحب " غير أن تركيزه على اجتياز تلك الشاحنة الضخمة على عجل، ما كان ليجعله ينتبه لجملتها وبعد مرور لحظات من الصمت ، اكتفى بإيماءة من رأسه إيجاباً وهمهمات شاردة لا تفهم كأنه يقول لها : نعم أعتقد اعتقادك .
يصمت وتصمت هي الأخرى , ترسل نظرة بعيدة فارغة لا تنتهي بانتهاء تلك الطريق تحلق سفراً بذكرياتها إلى ماضي ٍ غير بعيد عندما كان هو أفضل من يجيد اختصار المسافات كلاماً ويعرف كيف يصيغ من الصمت أجمل العبارات ، تنهدت بعمق وربما بحسرة ولكن شيء منها أراد أن يتنفس بطريقة غير اعتيادية , وتذكرت بعنف ماكانت تقوله لها شقيقتها أن الرجل قبل الزواج لا يشبه نفسه بعد الزواج . وما كانت حينها لتصدق أقوال شقيقتها , وكم تتمنى أن يكون ذلك الحديث مجرد ثرثرة نسائية فارغة غير صادقة , فحاولت من جديد أن تكسر حاجز الصمت فقالت بصوت دافئ : أنت تبتعد عني كثيراً خلال الفترة الأخيرة أني افتقدك جداً صحيح يجمعنا مكان واحد لكني بالكاد أستطيع أن أراك, حتى إني ما عدت أذكر أخر مرة تحدثنا فيها معاً , و جلسنا معاً لوقت طويل , أحتاج للتحدث معك , مثل السابق , أحتاج لأكون أنثى من خلالك ولن يكون ذلك دون تواصل بيننا , تصمت كأنها تمنحه مساحة من الوقت ليجيب لكن صمته يخذلها, وبعد لحظات يتدارك هذا الصمت بجملة تذمر " أووووووووف المطر بدأ يسقط"
مسحت عنها تلك الدمعة التي انسابت رغماً عنها وسألته بصوت مكتوم لا يتجاوز مداه ذلك الفاصل الذي يفصلهما، " مطري أم مطر السماء.. ؟"
فيجيبها باقتضاب مبالغ :_ تعلمين أني مشغول
وبأسلوب طفلة حانقة تصرخ ألماً : ولكنك تنشغل عني وحتى وأنت معي.
وتنتظر بشغف وحيرة أن يرد عليها, لكن صمته يطول يجعلها تستسلم لفتور اللحظة , ويأتي صوته متداركاً هذا الصمت الحزين ليقول : أنشغل عنك وأنا معك , هذا لأن مشاغل الحياة تلاحق حتى تفكيري .
تمتمت وهي تراقب انسياب قطرات السماء بحزن عميق ،"لا شيء يستحق كل هذا البعد " .
ومع بطء حركة السيارات بسبب شدة المطر , وازدحام الطريق تذكرت بحنين مضني كيف كان في الماضي , يسعد لسقوط المطر ويعشق هذه الأجواء ويحب أن يكون معها دوماً , أطول وقت ممكن بل كان يلح عليها بشدة كي يراها ولو من بعيد عندما تمطر السماء , فحاولت مجدداً وفاءٍ لتلك الذكريات أن تبعث الدفء في هذا المشهد الفاتر , أن تجعل لهذه الطريق تفاصيل مختلفة و بصوت أشبه للهمس لا يخلى من نبرة التوسل تقترح عليه أن يسافرا معاً .. تصمت لبرهة عله يجيب , ثم تقسم له إنها لن تتقل كاهله بالمصاريف , ولن تشتري إي شيء من هناك , وأن شاء تكفلت هي بمصاريف هذه الرحلة من رواتبها التي تدخرها منذ مدة .
ولم تكتفي بالحديث عن السفر بل وجدت نفسها تحلم به إلى حد الانتشاء وفي أعماقها كانت تسأل نفسها بحيرة, كيف لنا أن نشتاق لأشخاص وهم معنا..؟ وكيف نفتقدهم وهم في جوارنا ..؟ ومن أين أتى كل هذا البرد لبيتنا الذي كان يشتعل دفئاً وحرارة ..؟ وهل يقتل الزواج كل الحب أو بعضاً من الحب...؟ وهل تراه السفر ينعش هذا الحب ويمدد في عمره ..؟ وما من مجيب غير سكون اللحظة وفتور مشهد أصبح يتكرر في مواقف مختلفة فنفسها تخذلها بحيرة عقيمة لا نهاية لها ويخذلها هو بتبلده الذي طغى بروده على برودة طقس ذلك اليوم , فتكرر سؤالها معلله عدم إجابته بتركيزه على القيادة ي ذلك الزحام الذي أزداد بطئه مع تزايد سقوط المطر بشدة .
فيجيبها دون حماس : سأفكر في الموضوع لكن ليس قبل أن انهي أعمالي .
تتابع دونما يأس : ولكني أحتاجك جداً و......!! (( قاطعها ))
بحركة آمرة بكف يده على فمها يلجمها ليخرس صوتها ليرد على اتصال يستوجب منه استحضار كل وقاره ألذكوري ولن يكون حاضراً مع صوتها, ينشغل عنها هو في محادثة لا ملامح لها وتنشغل هي في مراقبة بكاء السماء, وفي أعماقها بكاء من نوع آخر لو أنفجر لأشفقت عليها السماء وما كانت لتمطر , ودفنت حلمها مع ابتلاعها لتلك الغصة التي كانت تكتم دموعها , فأمر تحقق الحلم علق على شرط واقف وهو (( نطق شفتيه بالموافقة على السفر )) وما كان ليفعل ذلك , فمثل هذه القرارات تحتاج لإرادة مجنونة , وهو اليوم أكثر البشر تعقلاً , وبموت الفكرة والحلم معاً خمدت مشاعرها هي الأخرى , أو ربما اعتقدت أنها قادرة على إخمادها بقرار منها أثبت فشله مع انتباهه لشرودها ومدامعها التي سالت على خدها فيسألها بعدما أنهى حواره: ما بك ِ لما هذه الدموع..؟
ولا تسعها الدنيا فرحاً أخيراً أنتبه لها أخيراً سيسمعها باهتمام , وتلج في شكواها منه من جديد ،
ويأتي صوته غير مكترث متذمراً بغضب أكبر من الزحام وبطء حركة السير : أووووف أكره الزحام ها هي الطرقات ازدحمت أكثر لهذا أصبحت أكره المطر, كان عليك أن تؤجلي زيارتك لبيت أختك ليتك تدركين كم من الآلف تضيع وتهدر في هذا الوقت الذي يضيع في هذا الزحام .
وبلهجة ساخرة بملامح وجه غادرته الروح تقول له : مازلنا في نصف الطريق بإمكاننا العودة وتصمت للحظات ثم تضيف : في الماضي كنت أكثر شخص سيفرح بهذا الزحام ، كنت تستغل هذه اللحظات لتحبني كما يجب لم يكن للوقت ثمن معي .
بصوت يعتري الفتور نبراته المجاملة يقول: ومازلت أحبك ولكننا أضعنا الكثير من الوقت في الحب مع هذا أؤكد مجدداً لكِ أني مازلت أحبك .
ولأنها تحفظ نبرات صوته كمن يحفظ نوتة موسيقية عن ظهر قلب, حبذت الصمت فما كانت لتصدق كلمة " ومازلت " ولسان حاله يقول أنقضى عصر الحب مع أيام الحب.
أما هي فخاطبت نفسها بحزن وهي تقول عندما يموت الحب مبكراً فهذا يعني أنه لم يولد مطلقاً .
من جديد تنظر للأمام لذاك الأفق البعيد دون أمل في إنعاش قلبه أو بعث الحياة من جديد في ذلك الشيء المسمى حب وتسأل نفسها سراً سؤالاً يجيب على كل أسئلتها ويسد فجوة حيرتها " أتراه كان حباً ..؟ "
كتبها هالة المصراتي في 06:32 مساءً ::
نص رائع ..فقط لانه يكاد يسد فجوة القراءة
دعوة للإنضمام لإتحاد المدونين الليبين
http://alibeen.maktoobblog.com/
عنهم غيداء خليفة
يشرفنا انضمامكم إلينا ... نأمل الإطلاع على الرابط
http://libya692007.maktoobblog.com
بالتوفيق بأذن الله
تحياتى
مواطن شكراً لتواجدك
دمت بخير ...
لا أفضح سرا ان أخبرتك يا هالة بأنني قد قرأت نصك هذا باحدى الدوريات قبل أن أتشرف بملاقاتك وأحسست حينها وكأنني أعرفك من سنين طوال ... الشفافية وسلاسة الأسلوب شداني لآخر حرف في نصك هذا ... فدمت يا عزيزتي متألقة وأتمنى لك ابداعات أخرى تتلو " للقمر وجه آخر " وكل عام وأنت أكثر عطاء وتميزا وألقا ...
لقد اثارت هذه القاصة انتباهى منذ زمن وانا ارى انها تثقل كاهلها باعباء كبيرة فى الوقت الذى من المفترض ان تخصص وقت اكبر للكتابة ، فانا انتضر منها رواية ، مايميز كتابة هالة ، هو ذلك الشغف الانسانى الذى تستشعره عند ملامسة حواسك لكلماته انها بارعة فى اثارة الحواس وفى تقديم امثولة لقصص الحياة ، هالة اننا نعول عليك كى تكونى احد الاسماء المهمة فى عالم الكتابة فكونى عند املنا فيكى
الشاعرة الرقيقة بشرى
سرني هذا الحضور المتألق وسعيدة لأني استطعت أن أكون قريبة منك ..
فكوني قريبة دوماً ..
هالة
أيها القارئ الكريم
ليس كل ما نثقل فيه أنفسنا يكون من قبيل خياراتنا ، يحدث أن نحمل أعباء شاقة تسرقنا من أهتماماتنا الحقيقية لكن ما أن ننهتي من مهامنا نعود لنمارس شغفنا الحقيقي ، أعدك قريباً جداً ستكون هناك رواية قريبا وجل ما أتمناه أن تنال أعجابك .
هالة المصراتي
عندما يموت الحب مبكراً فهذا يعني أنه لم يولد مطلقاً ، جملة رائعة ومحزنة ، هكذا هى قلوبنا .. ارض المعارك الخاسرة ،
احييك يااخت هالة وكونى بخير

الاسم: هالة المصراتي
